فخر الدين الرازي

112

تفسير الرازي

العادات والأحكام ، يقال : أظن ظناً كاليقين أن الأمر كيت وكيت وخامسها : المراد إني ظننت في الدنيا أن بسبب الأعمال التي كنت أعملها في الدنيا سأصل في القيامة إلى هذه الدرجات وقد حصلت الآن على اليقين فيكون الظن على ظاهره ، لأن أهل الدنيا لا يقطعون بذلك . ثم بين تعالى عاقبة أمره فقال : * ( فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : وصف العيشة بأنها راضية فيه وجهان الأول : المعنى أنها منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل ، والنسبة نسبتان نسبة بالحروف ونسبة بالصيغة والثاني : أنه جعل الرضا للعيشة مجازا مع أنه صاحب العيشة . المسألة الثانية : ذكروا في حد الثواب أنه لا بد وأن يكون منفعة ، ولا بد وأن تكون خالصة عن الشوائب ، ولا بد وأن تتكون دائمة ولا بد وأن تكون مقرونة بالتعظيم ، فالمعنى إنما يكون مرضياً به من جميع الجهات لو كان مشتملاً على هذه الصفات فقوله : * ( عيشة راضية ) * كلمة حاوية لمجموع هذه الشرائط التي ذكرناها . * ( فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ) * . ثم قال : * ( في جنة عالية ) * وهو أن من صار في * ( عيشة راضية ) * أي يعيش عيشاً مرضياً في جنة عالية ، والعلو إن أريد به العلو في المكان فهو حاصل ، لأن الجنة فوق السماوات ، فإن قيل : أليس أن منازل البعض فوق منازل الآخرين ، فهؤلاء السافلون لا يكونون في الجنة العالية ، قلنا : إن كون بعضها دون بعض لا يقدح في كونها عالية وفوق السماوات ، وإن أريد العلو في الدرجة والشرف فالأمر كذلك ، وإن أريد به كون تلك الأبنية عالية مشرفة فالأمر أيضاً كذلك . * ( قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ) * . ثم قال : * ( قطوفها دانية ) * أي ثمارها قريبة التناول يأخذها الرجل كما يريد إن أحب أن يأخذها بيده انقادت له ، قائماً كان أو جالساً أو مضطجعاً . وإن أحب أن تدنو إلي فيه دنت ، والقطوف جمع قطف وهو المقطوف . ثم قال تعالى : * ( كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى الاَْيَّامِ الْخَالِيَةِ ) * . والمعنى يقال لهم ذلك وفيه مسائل : المسألة الأولى : منهم من قال قوله : * ( كلوا ) * ليس بأمر إيجاب ولا ندب ، لأن الآخرة ليست دار تكليف ، ومنهم من قال : لا يبعد أن يكون ندباً ، إذا كان الغرض منه تعظيم ذلك الإنسان وإدخال السرور في قلبه . المسألة الثانية : إنما جمع الخطاب في قوله : كلوا بعد قوله فهو في عيشة ، لقوله : * ( فأما من